صور 2017
  #1  
مدير عام
 
تاريخ التسجيل: Apr 2014
المشاركات: 10,142
افتراضي ابن خلدون , قصة حياة ابن خلدون بالتفصيل

ابن خلدون قصة حياة ابن خلدون بالتفصيل


ابن خلدون , قصة حياة ابن خلدون بالتفصيل
ابـن خلـدون
1332- 1406م


هو ولي الدين أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن الحسن بن جابر بن محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن خالد (خلدون) الحضرمي. مؤسس علم الاجتماع ومؤرخ تونسي مسلم ترك تراثا مازال تأثيره ممتدا حتى اليوم . ولد ابن خلدون في تونس عام 1332م (732هـ) بالدار الكائنة بنهج تربة الباي . أسرة ابن خلدون أسرة علم وأدب، فقد حفظ القرآن الكريم في طفولته ، وكان أبوه هو معلمه الأول. شغل أجداده في الأندلس وتونس مناصب سياسية ودينية مهمة وكانوا أهل جاه ونفوذ، نزح أهله من الأندلس في أوساط القرن السابع الهجري، وتوجهوا إلى تونس حاضرة العلوم آنذاك، وكان قدوم عائلته إلى تونس خلال حكم دولة الحفصيين . ينتهى نسبه بالصحابى وائل بن حجر الحضرمي الذى كان النبى صلى الله عليه وسلم قد دعا له :"اللهم بارك في وائل بن حجر وبارك في ولده وولد ولده إلى يوم القيامة".

درس الأدب على أبيه، ثم لم يلبث أن التحق صغيراً ككاتب للعامة، بأمير تونس أبي إسحق الحفصي. وكانت وظيفته كتابة الشارة السلطانية بين البسملة والنص. لكن هذه الوظيفة لم ترضي طموح ابن خلدون. فقصد مراكش واتصل بسلطانها أبي عنان المريني، فأصبح أمينًا لسره سنة 1356، ولكنه خانه. ولدى اكتشاف المؤامرة طرح مترجمنا في السجن.

أطلق سراحه الوزير حسن بن عمر. بيد أن ابن خلدون انضمّ إلى أعداء الوزير وحاربه تحت راية المنصور بن سليمان. ثم ما لبث أن خان المنصور وألّب عليه القبائل لمصلحة خصمه أبي سالم الذي انتصر، فأولى أبن خلدون أمانة سر الدولة. وتغيّر عليه السلطان فسعى ابن خلدون مع أحد الوزراء السابقين وقلّبه. لكن الوزير استأثر بالوزارة فغضب ابن خلدون وسافر إلى غرناطة حيث عاش مدة في بلاط ملكها ابن الأحمر ووزيره لسان الدين بن الخطيب.

ترك ابن خلدون غرناطة ليعود عام 1365 إلى بجاية وقد تملكها صديقه القديم فولي رئاسة الوزارة. وحين قتل الأمير في حربه ضد ابن عمه، فاوض ابن خلدون الغازي لتسليمه المدينة لقاء احتفاظه بالوزارة فكان له ذلك. ثم لم يلبث أن تغيّر عليه الأمير فاضطر أن يهرب.

ظلّ ابن خلدون مدة يتنقل بين قبائل بني رياح، يستميلها تارة إلى السلطان أبي حمو وأخرى يكلف باستمالتها إلى عبد العزيز المريني.. ولكن تقلباته الدائمة أحنقت الجميع عليه فسافر إلى الأندلس. ولم يلق عند بني الأحمر ما كان ينتظره لأنهم علموا بمشايعته لوزيرهم السابق المغضوب عليه لسان الدين الخطيب.

عاد ابن خلدون إلى إفريقيا فوجد نفسه بقبضة السلطان أبي حمو الذي كان ابن خلدون قد خانه سابقا باستمالته قبائل بني رياح، فكلفه السلطان بإعادة الكرة لاستمالتها مجددا، لكنه اعتذر وانصرف إلى التأليف مدة أربع سنوات. فوضع في قلعة ابن سلامة مقدمة تاريخه وشرع بكتابة التاريخ. ثم تغير عليه صديقه مفتي تونس فأوغر صدر السلطان عليه واضطر ابن خلدون أن يسافر قصد الحج إلى مكة المكرمة 1382. ولما وصل إلى القاهرة، كانت شهرته قد سبقته، فشرع يدرس في الجامع الأزهر ثم عين أستاذا للفقه المالكي ثم قاضيا للمذهب. ولكن تشدّده أثار الناس عليه فعزل.

حجّ ابن خلدون الأماكن المقدسة ثم عاد إلى تولي القضاء ولكنه عزل. في عام 1400، رافق الحملة المصرية لمحاربة تيمورلنك في الشام. لكنه اتصل بالغازي الذي أعجب بعلمه ودهائه في مفاوضته بشأن الصلح. وبعد أن أقام ضيفا عليه 35 يومًا، عاد إلى مصر وتولى القضاء المالكي عام 1401.

اعتزل ابن خلدون الحياة بعد تجارب مليئة بالصراعات والحزن على وفاة أبويه وكثير من شيوخه إثر وباء الطاعون الذي انتشر في جميع أنحاء العالم سنة 749هجرية (1348 م)وتفرغ لأربعة سنوات في البحث والتنقيب في العلوم الإنسانية معتزلا الناس في سنينه الأخيرة، ليكتب سفره الخالد أو ما عرف بمقدمة أبن خلدون ومؤسسا لعلم الاجتماع بناء على الاستنتاج والتحليل في قصص التاريخ وحياة الإنسان. واستطاع بتلك التجربة القاسية أن يمتلك صرامة موضوعة في البحث والتفكير.

امتاز ابن خلدون بسعة اطلاعه على ما كتبه القدامى على أحوال البشر وقدرته على استعراض الآراء ونقدها، ودقة الملاحظة مع حرية في التفكير وإنصاف أصحاب الآراء المخالفة لرأيه. وقد كان لخبرته في الحياة السياسية والإدارية وفي القضاء، إلى جانب أسفاره الكثيرة من موطنه الأصيل تونس و بقية بلاد شمال أفريقيا الأمازيغية إلى بلدان أخرى مثل مصر والحجاز والشام، أثر بالغ في موضوعية وعلمية كتاباته عن التاريخ وملاحظاته.

يعتبر ابن خلدون العصبية هى الركيزة الأساسية لأى نشاط سياسي أو أجتماعي ، وأن الدولة لكى تقوم تحتاج إلى رابطة تجمع الأفراد تحت لوائها وتدفعهم للتضحية من أجلها ، والعصبية تقوم بهذا الدور ،استنادا على أن الإنسان كائن اجتماعى الطبع ويحتاج إلى كيان ينتمى إليه يوفر الحاجات التى لا يستطيع توفيرها منفرداً ، إذن الفرد والقبيلة باعتبارها أكثر أشكال الروابط شيوعاً وقتئذ كلاهما بحاجة للآخر لتستقيم أمورهما معاً . ويرى ابن خلدون في المقدمة أن الفلسفة من العلوم التي استحدثت مع انتشار العمران، وأنها كثيرة في المدن ويعرِّفها قائلاً: ¸بأن قومًا من عقلاء النوع الإنساني زعموا أن الوجود كله، الحسي منه وما وراء الحسي، تُدرك أدواته وأحواله، بأسبابها وعللها، بالأنظار الفكرية والأقيسة العقلية وأن تصحيح العقائد الإيمانية من قِبَل النظر لا من جهة السمع فإنها بعض من مدارك العقل، وهؤلاء يسمون فلاسفة جمع فيلسوف، وهو باللسان اليوناني محب الحكمة. فبحثوا عن ذلك وشمروا له وحوَّموا على إصابة الغرض منه ووضعوا قانونًا يهتدي به العقل في نظره إلى التمييز بين الحق والباطل وسموه بالمنطق. ويحذّر ابن خلدون الناظرين في هذا العلم من دراسته قبل الاطلاع على العلوم الشرعية من التفسير والفقه، فيقول: ¸وليكن نظر من ينظر فيها بعد الامتلاء من الشرعيات والاطلاع على التفسير والفقه ولا يُكبَّنَّ أحدٌ عليها وهو خِلْو من علوم الملة فقلَّ أن يَسلَمَ لذلك من معاطبها·

ولعل ابن خلدون وابن رشد اتفقا على أن البحث في هذا العلم يستوجب الإلمام بعلوم الشرع حتى لا يضل العقل ويتوه في مجاهل الفكر المجرد لأن الشرع يرد العقل إلى البسيط لا إلى المعقد وإلى التجريب لا إلى التجريد. ومن هنا كانت نصيحة هؤلاء العلماء إلى دارسي الفلسفة أن يعرفوا الشرع والنقل قبل أن يُمعنوا في التجريد العقلي.

بسبب فكر ابن خلدون الدبلوماسي الحكيم ، أُرسل أكثر من مرة لحل نزاعات دولية ، فقد عينه السلطان محمد بن الأحمر سفيراً إلى أمير قشتالة لعقد الصلح . وبعد ذلك بأعوام ، استعان أهل دمشق به لطلب الأمان من الحاكم المغولي تيمور لنك ، والتقوا بالفعل .

كثير من الكتاب الغربيين وصفوا تقديم ابن خلدون للتاريخ بأنه أول تقديم لا ديني للتأريخ ، وهو له تقدير كبير عندهم.

وربما تكون ترجمة حياة ابن خلدون من أكثر ترجمات شخصيات التاريخ الإسلامي توثيقا بسبب المؤلف الذي وضعه ابن خلدون ليؤرخ لحياته و تجاربه و دعاه التعريف بابن خلدون ورحلته شرقا و غربا ، تحدث ابن خلدون في هذا الكتاب عن الكثير من تفاصيل حياته المهنية في مجال السياسة والتأليف والرحلات، ولكنه لم يضمنها كثيرا تفاصيل حياته الشخصية والعائلية.

كان ابن خلدون دبلوماسياً حكيماً أيضاً . وقد أُرسل في أكثر من وظيفة دبلوماسية لحل النزاعات بين زعماء الدول : مثلاً ، عينه السلطان محمد بن الاحمر سفيراً له إلى أمير قشتالة للتوصل لعقد صلح بينهما و كان صديقاً مقرباً لوزيره لسان الدين ابن الخطيب .كان وزيراً لدى أبي عبد الله الحفصي سلطان بجاية ، وكان مقرباً من السلطان أبي عنان المرينىقبل أن يسعى بينهما الوشاة . وبعد ذلك بأعوام استعان به أهل دمشق لطلب الأمان من الحاكم المغولي القاسي تيمورلنك ، وتم اللقاء بينهما . وصف ابن خلدون اللقاء في مذكراته. إذ يصف ما رآه من طباع الطاغية ، ووحشيته في التعامل مع المدن التي يفتحها ، ويقدم تقييماً متميزاً لكل ما شاهد في رسالة خطها لملك المغرب الخصال الإسلامية لشخصية ابن خلدون ، أسلوبه الحكيم في التعامل مع تيمور لنك مثلاً، وذكائه وكرمه ، وغيرها من الصفات التي أدت في نهاية المطاف لنجاته من هذه المحنة، تجعل من التعريف عملاً متميزاً عن غيره من نصوص أدب المذكرات العربية والعالمية. فنحن نرى هنا الملامح الإسلامية لعالم كبير واجه المحن بصبر وشجاعة وذكاء ولباقة. ويعتبر ابن خلدون مؤسس علم الاجتماع. ساهم في الدعوة للسلطان أبى حمو الزيانى سلطان تلمسان بين القبائل بعد سقوط بجاية في يد سلطان قسنطينة أبى العباس الحفصى وأرسل أخاه يحيى بن خلدون ليكون وزيراً لدى أبى حمو.

وتوفي في مصر عام 1406 م، و دفن في مقابر الصوفية عند باب النصر شمال القاهرة. وقبره غير معروف.

يبقى ابن خلدون اليوم شاهدا على عظمة الفكر الإسلامي المتميز بالدقة و الجدية العلمية والقدرة على التجديد لاثراء الفكر الانساني.

يعتبر ابن خلدون أحد العلماء الذين تفخر بهم الحضارة الإسلامية، فهو مؤسس علم الاجتماع وأول من وضعه على أسسه الحديثة، وقد توصل إلى نظريات باهرة في هذا العلم حول قوانين العمران ونظرية العصبية، وبناء الدولة وأطوار عمارها وسقوطها . وقد سبقت آراؤه ونظرياته ما توصل إليه لاحقاً بعدة قرون عدد من مشاهير العلماء كالعالم الفرنسي أوجست كونت .

لم يعرف التاريخ السياسي العربي رجلاً امتلأت حياته بالحوادث مثل ابن خلدون، حتى ليمكننا القول إن أبرز صفاته هي: التقلب، الدهاء، حب الظهور، الثقة بالنفس، الذكاء، حب العمل والمغامرات السياسية.

أما آثاره، فقد ذكر له لسان الدين بن الخطيب عددًا من الكتب، ولكن لم يصل إلينا سوى تاريخه الكبير وكتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر، في أيام العرب والعجم والبربر وَمن عاصَرهم من ذوي السلطان الأكبر. يقع هذا الكتاب في سبعة مجلدات مرتبة حسب تعبير ابن خلدون نفسه، على مقدمة وثلاثة كتب، تتضمن الموضوعات التالية:

1- المقدمة: في فضل علم التاريخ وتحقيق مذاهبه والإلماع لما يعرض للمؤرخين من المغالط وذكر شيء من أسبابها.

2- الكتاب الأول: في العمران؛ وذكر ما يعرض فيه من العوارض الذاتية من الملك والسلطان والكسب والمعاش والصنائع والعلوم وما إلى ذلك من العلل والأسباب.

3- الكتاب الثاني: في أخبار العرب وأجيالهم ودولهم، منذ بدء الخليقة إلى هذا العهد، ومن عاصرهم من مشاهير الأمم ودولهم مثل النبط والسريان والفرس وبني إسرائيل واليونان والروم والقبط والترك والفرنجة.

4- الكتاب الثالث: في أخبار البربر ومَن إليهم، وذكر أوليتهم وأجيالهم وما كان لهم بديار المغرب، خاصة من المُلك والدول.

جاء في نهاية المجلد السابع من تاريخ ابن خلدون وبقلمه ما يلي:

بسم الله الرحمن الرحيم

التعريف بابن خلدون مؤلف الكتاب ورحلته غرباً وشرقاً

وأصل هذا البيت من إشبيلية ؛ انتقل سلفُنا-عند الجَلاء ؤغَلَبِ ملك الجَلالقة ابن أُدْفُونْش عليها – إلى تُونس في أواسط المائة السابعة.

نسبه :

عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن محمد بن الحسن بن محمد بن جابر بن محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن خَلدون ، لا أذكر من نسَبي إلىِ خلدون غير هؤلاء العشرة، ويغلب على الظن أنهم أكثر، وأنه سقط مثلهم عدداً ؛ لأنَ خَلدون هذا هو الداخل إلى الأندلس ، فإن كان أول الفتح فالمدّة لهذا العَهد سبعُمائة سنة ، فيكونون زهُاءَ العشرين ، ثلاثة لكل مائة ، كما تقدم في أول الكتاب الأول . وَنَسَبُنا حَضْر مَوت ، من عَرب اليمن ، إلى وائل بن حُجْر، من أقيال العَرب ، معْروف وله صُحبة . قال أبُو محمد بن حزْم في كتاب الجمهرة: وهو وائل بن حُجْر بن سعيد بن مَسْروق بن وائل بن النُّعمان بن ربيعة بن الحَرث بن عَوف بن سعد بن عوف بن عَديَ بن مالك بن شُرحْبيل بن الحارث بن مالك بن مُرة بن حِمْيَرِ بن زيد بن الخضْرَميّ بن عمرو بن عبد اللّه بن هانىء بن جُرسم بن عبد شمسى بن زيد بن لؤيّ بن ثبْت بن قُدامة بن أعجَب بن مالك بن لؤي بن قحطان . وابنه علقَمة بن وائل وعبد الجبار بن وائل

وذكره أبو عمر بن عبد البرّ في حرف الواو من "الاستيعاب"، وأنه وفد علىالنبي صلى الله عليه وسلم، فبسط له رداءه، وأجلسه عليه، وقال: "اللهم بارك في وائل بن حجر وولده وولد ولده إلى يوم القيامة".
وبعث معه جارية بن أبي سفيان إلى قومه يعلمهم القرآن والإسلام؛ فكانت له بذلك صحابة مع معاوية. ووفد عليه لأوّل خلافته فأجازه؛ فرّد عليه جائزته ولم يقبلها.
ولما كانت واقعة حجر بن عديّ الكندي بالكوفة، اجتمع رؤوس أهل اليمن، وفيهم هذا، فكانوا مع زياد بن أبي سفيان عليه، حتى أوثقوه وجاؤوا به إلى معاوية، فقتله كما هو معروف.
وقال ابن حزم: ويذكر بنو خلدون الإشبيليّون من ولده، جدهم الداخل من المشرق خالد المعروف بخلدون بن عثمان بن هانىء بن الخطاب بن كريت بن معد يكرب بن الحرث بن وائل بن حجر. قال: وكان من عقبه كريب بن عثمان بن خلدون وأخوه خالد، وكانا من أعظم ثوار الأندلس.
وقال ابن حزم: وأخوه محمد، كان من عقبه أبو العاصي عمرو بن محمد بن خالد بن محمد بن خلدون. وبنو أبي العاصي: محمد، وأحمد، وعبد الله. قال:- وأخوهم عثمان، وله عقب. ومنهم الحكيم المشهور بالأندلس من تلاميذ مسلمة المجريطي، وهو أبومسلم عمر بن محمد بن تقي بن عبد الله بن أبي بكر بن خالد بن عثمان بن خالد بن عثمان بن خلدون الداخل. وابن عمّه أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله. قال: ولم يبق من ولد كريب الرئيس المذكور إلا أبو الفضل بن محمد بن خلف بن أحمد بن عبد الله بن كريت- انتهى كلام ابن حزم.
سلفه بالاندلس:
ولما دخل خلدون بن عثمان جدّنا إلى الأندلس، نزل بقرمونة في رهط من قومه حضرموت، ونشأ بيت بنيه بها، ثم انتقلوا إلى إشبيلية. وكانوا في جند اليمن، وكان الكريت من عقبه وأخيه خالد، الثورة المعروفة بإشبيلية أيام الأمير عبد الله المرواني؛ ثار على ابن أبي عبدة، وملكها من يده أعواماً، ثم ثار عليه إبراهيم بن حجاج، بإملاء الأمير عبد الله وقتله، وذلك في أواخر المائة الثالثة.
وتلخيص الخبر عن ثورته، على ما نقله ابن سعيد عن الحجازي وابن حيان وغيرهما، وينقلونه عن ابن الأشعث مؤرّخ إشبيلية: أنّ الأندلس لما اضطرمت بالفتن أيام الأمير عبد الله ، تطاول رؤساء إشبيلية إلى الثورة والإستبداد، وكان رؤساؤها المتطاولون إلى ذلك في ثلاثة بيوت: بيت بني أبي عبدة، ورئيسهم يومئذ أمية بن عبد الغافر بن أبي عبدة، وكان عبد الرحمن الداخل ولى أبا عبده إشبيلية وأعمالها، وكان حافده أمية من أعلام الدولة بقرطبة، ويولونه الممالك الضخمة. وبيت بني خلدون هؤلاء، ورئيسهم كريب المذكور، ويردفه أخوه خالد.
قال ابن حيّان: وبيت بني خلدون إلى الآن في إشبيلية نهاية في النباهة، ولم تزل أعلامه بين رياسة سلطانّية ورياسة علمية. ثم بيت بني حجّاج، ورئيسهم يومئذ عبد الله. قال ابن حيّان: هم- يعني بني حجاج- من لَخْم، وبيتهم إلى الآن في إشبيلية ثابت الأصل، نابت الفرع موسوم بالرياسة السلطانية والعلمية. فلمّا عظمت الفتنة بالأندلس أعوام الثمانين ومائتين، وكان الأمير عبد الله قد ولّى على إشبيلية أمية بن عبد الغافر، وبعث معه ابنه محمداً، وجعله في كفالته، فاجتمع هؤلاء النفر، وثاروا بمحمد ابن الأمير عبد الله وبأمّية صاحبهم، وهو يمالئهم على ذلك، ويكيد بابن الأمير عبد الله. وحاصروه في القصر، حتى طلب منهم اللحاق بأبيه فأخرجوه، واستبدّ أمية بإشبيلية، ودسّ على عبد الله بن حجّاج من قتله، وأقام أخاه إبراهيم مكانه. وضبط إشبيلية، واسترهن أولاد بني خلدون وبني حجاج، ثم ثاروا به، وهمّ بقتل أبنائهم؛ فراجعوا طاعته، وحلفوا له، فأطلق أبناءهم فانتقضوا ثانية. وحاربوه فاستمات وقَتَل حُرَمَهَ، وعقر خيوله، وأحرق موجوده. وقاتلهم حتى قتلوه مقبلاً غير مدبر، وعاثت العامة في رأسه. وكتبوا إلى الأمير عبد الله بأنه خَلَع فقتلوه، فقبل منهم مداراة، وبعث عليهم هشام بن عبد الرحمن من قرابته، فاستبدّوا عليه، وفتكوا بابنه، وتولّى كبر ذلك كريب بن خلدون، واستقل بإمارتها.
وكان إبراهيم بن حجّاج بعدما قتل أخوه عبد الله- على ما ذكره ابن سعيد عن الحجاري- سمت نفسه إلى التفرّد، فظاهر ابن حفصون أعظم ثوّار الأندلس يومئذ، وكان بمالقة وأعمالها إلى رُنْدَة، فكان له منه ردءَ. ثم انصرف إلى مداراة كُرَيب بن خَلدون وملابسته، فردفه في أمره، وأشركه في سلطانه، وكان في كريت تحامل على الرعيّة وتعصّب، فكان يتجهّم لهم، ويغلظ عليهم، وابن حجّاج يسلك بهم الرفق والتلطف في الشفاعة لهم عنده، فانحرفوا عن كريب إلى ابراهيم. ثم دسّ إلى الأمير عبد الله يطلب منه الكتاب بولاية إشبيلية، لتسكن إليه العامّة، فكتب إليه العهد بذلك. وأطلع عليه عرفاء البلد مع ما أشربوا من حبّه، والنفرة عن كُرَيب، ثم أجمع الثورة، وهاجت العامّة بكُرَيْب فقتلوه، وبعث برأسه إلى الأمير عبد الله، واستقرّ بإمارة إشبيلية.
قال ابن حيّان: وحصّن مدينة قَرْمُوَنة من أعظم معاقل الأندلس، وجعلها مرتبطاً لخيله، وكان ينتقل بينها وبين إشبيلية. واتخذ الجند ورتّبهم طبقات، وكان يصانع الأمير عبد الله بالأموال والهدايا، ويبعث إليه المدد في الصوائف. وكان مقصوداً ممدحاً، قصده أهل البيوتات فوصلهم، ومدحه الشعراء فأجازهم، وانتجعه أبو عمر بن عبد ربّه صاحب العقد، وقصده من بين سائر الثوّار، فعرف حقه، وأعظم جائزته. ولم يزل بيت بني خلدون بإشبيلية- كما ذكره ابن حيّان وابن حزم وغيرهما- سائر أيام بني أمية إلى زمان الطوائف، وانمحت عنهم الإمارة بما ذهب لهم من الشوكة.
ولما غلب كعب ابن عبّاد بإشبيلية، واستبدّ على أهلها، استوزر من بني خلدون هؤلاء، واستعملهم في رتب دولته، وحضروا معه وقعة الجلالقة كانت لابن عبّاد وليوسف بن تاشفين على ملك الجلالقة، فاستشهد فيها طائفة كبيرة من بني خلدون هؤلاء ثبتوا في الجولة مع ابن عبّاد فاستلحمّوا في ذلك الموقف. بما كان الظهور للمسلمين، ونصرهم الله على عدّوهم. ثم تغلّب يوسف بن تاشفين والمرابطون على الأندلس، واضمحلّت دولة العرب وفنيت قبائلهم.
سلفه بأفريقية:
ولما استولى الموحدون على الأندلس، وملكوها من يد المرابطين، وكان ملوكهم: عبد المؤمن وبنيه. وكان الشيخ أبو حفص كبير هنتاتة زعيم دولتهم، وولّوه على إشبيلية وغرب الأندلس مراراً، ثم ولّوا ابنه عبد الواحد عليها في بعض أيامهم، ثم ابنه أبا زكرياء كذلك، فكان لسلفنا بإشبيلية اتصال بهم، وأهدى بعض أجدادنا من قبل الأمّهات، ويعرف بابن المحتسب، للأمير أبي زكريا يحيى بن عبد الواحد بن أبي حفص أيام ولايته عليهم، جاريّة من سبي الجلالقة، اتخذها أم ولد، وكان له منها ابنه أبو يحيى زكريا وليّ عهده الهالك في أيامه، وأخواه: عمر وأبو بكر، وكانت تلقّب أمّ الخلفاء. ثم انتقل الأمير أبو زكريا إلى ولاية أفريقية سنة عشرين وستمائة. ودعا لنفسه بها، وخلع دعوة بني عبد المؤمن سنة خمس وعشرين وستمائة. واستبدّ بأفريقية، وانتقضت دولة الموحدين بالأندلس، وثار عليهم ابن هود. ثم هلك واضطربت الأندلس،وتكالب الطاغية عليها، وتردّد الغزو إلى الفرنتيرة، بسيط قرطبة وإشبيلية إلى جيّان، وثار ابن الأحمر من غرب الأندلس من حصن أرجُونَة، يرجو التماسك لما بقي من رمق الأندلس. وفاوض أهل الشورى يومئذ بإشبيلية. وهم بنو الباجي، وبنو الجدّ، وبنو الوزير، وبنو سيّد الناس، وبنو خلدون. وداخلهم في الثورة على ابن هود، وأن يتجافوا للطاغية عن الفرنتيرة، ويتمسّكوا بالجبال الساحلية وأمصارها المتوعّرة، من مالقة إلى غرناطة إلى المريّة؛ فلم يوافقوه على بلادهم. وكان مقدّمهم أبو مروان الباجي، فنابذهم ابن الأحمر وخلع طاعة الباجي، وبايع مرّة لابن هُود، ومّرة لصاحب مراكش من بني عبد المؤمن، ومرة للأمير أبي زكرياء صاحب أفريقية. ونزل غرناطة، واتخذها دار ملكه، وبقيت الفرنتيرة وأمصارها ضاحية من ظل المُلْك؛ فخشي بنو خَلدون سوء العاقبه مع الطاغية، وارتحلوا من إشبيلية إلى العدوة، ونزلوا سبتة وأجلب الطاغية على تلك الثغور؛ فملك قرطبة، وإشبيلية، وقرمونة وجيّان وما إليها، في مدّة عشرين سنة. ولما نزل بنو خَلدون بسبتة أصهر إليهم العزِفيّ بأبنائه وبناته، فاختلط بهم، وكان له معهم صِهْرٌ مذكور. وكان جدّنا الحسن بن محمد، وهو سبط ابن المحتسب، قد أجاز فيمن أجاز إليهم؛ فذكر سوابق سلفه عند الأمير أبي زكريا؛ فقصده، وقدم عليه فأكرم قدومه. وارتحل إلى المشرق؛ فقضى فرضه. ثم رجع ولحق بالأمير أبي زكريا على بونة، فأكرمه، واستقرّ في ظل دولته، ومرعى نعمته، وفرض له الأرزاق، وأُقْطع الإقطاع. وهلك هنالك؛ فدفن ببونة. وخلف ابنه محمدا أبا بكر فنشأ في جو تلك النعمة ومرعاها. وهلك الأمير أبو زكرياء ببونة سنة سبع وأربعين وستمائة، وولي ابنه المستنصر محمد؛ فأجرى جدّنا أبا بكر على ما كان لأبيه. ثم ضرب الدهر ضربانه، وهلك المستنصر سنة خمس وسبعين وسبعمائة، وولي ابنه يحيى، وجاء أخوه الأمير أبو إسحق من الأندلس، بعد أن كان فرّ إليها أمام أخيه المستنصر. فخلع يحيى، واستقلّ هو بملك أفريقية، ودفع جدّنا أبا بكر محمداً إلى عمل الأشغال في الدولة، على سنن عظماء الموحدين فيها قبله، من الإنفراد بولاية العمّال، وعزلهم وحسبانهم، على الجباية، فاضطلع بتلك الرتبة. ثم عقد السلطان أبو اسحق لابنه محمد، وهو جدّنا الأقرب، على حجابة وليّ عهد، ابنه أبي فارس أيام اقضاه إلى بجاية. ثم استعفى جدّنا من ذلك فأعفاه، ورجع إلى الحضرة. ولما غلب الدعي ابن أبي عمارة عل ملكهم بتونس، اعتقل جدّنا أبا بكر محمداً، وصادره على الأموال، ثم قتله خنقاً في محبسه. وذهب ابنه محمد جدّنا الأقرب مع السلطان أبي اسحق وأبنائه إلى بجاية؛ فتقبّض عليه ابنه أبو فارس، وخرج مع العساكر هو وإخوته لمدافعة الدعي ابن أبي عمارة، وهو يشبه بالفضل ابن المخلوع، حتى إذا استلحمّوا بمرما جنّة خلص جدّنا محمد مع أبي حفص- ابن الأمير أبي زكريا من الملحمة، ومعهما الفازازي وأبو الحسين بن سيّد النأس؛ فلحقوا بمنجاتهم كن قلعة سنان. وكان الفازازي من صنائع المولى أبي حفص، وكان يؤثره عليهم. فأما أبل الحسين بن سيّد الناس فاستنكف من إيثار الفازازي عليه، بما كان أعلى رتبة منه ببلده إشبيلية، ولحق بالمولى أبي زكرياء الأوسط بتلمسان، وكان من شأنه ما ذكرناه. وأما محمد بن خلدون فأقام مع الأمير أبي حفص، وسكن لإيثار الفازازي. ولما استولى أبو حفص على الأمور رعى له سابقته، وأقطعه، ونظمه في جملة القواد ومراتب أهل الحروب، واستكفى به في الكثير من أمر ملكه، ورشحه لحجابته من بعد الفازازي. وهلك، فكان من بعده حافد أخيه المستنصر أبو عصيدة، واصطفى لحجابته محمد بن ابراهيم الدبّاغ كاتب الفازازي، وجعل محمد بن خلدون رديفاً في حجابته. فكان كذلك إلى أن هلك السلطان، وجاءت دولة الأمير خالد، فأبقاه على حاله من التجلّة والكرامة، ولم يستعمله ولا عقد له، إلى أن كانت دولة أبي يحيى بن اللحياني، فاصطنعه، واستكفى به عندما تنبّضت عروق التغلّب للعرب؛ ودفعه إلى حماية الجزيرة من دلاج، إحدى بطون سُلَيْم الموطنين بنواحيها؛ فكانت له في ذلك آثار مذكورة. ولما انقرضت دولة ابن اللحياني خرج إلى المشرق، وقضى فرضه سنة ثمان عشرة، وأظهر التوبة والإقلاع، وعاود الحج متنقلا سنة ثلاث وعشرين، ولزم كسر بيته. وأبقى السلطان أبو يحيى عليه نعمته في كثير مما كان بيده من الاقطاع والجراية، ودعاه إلى حجابته مراراً، فامتنع.
أخبرني محمد بن منصور بن مزنى، قال: لما هلك الحاجب محمد بن عبد العزيز الكردي المعروف بالمزوار سنة سبع وعشرين وسبعمائة، استدعى السلطان جدّك محمد بن خلدون، وأراده على الحجابة، وأن يفوض إليه في أمره، فأبى واستعفى، فأعفاه، وآمره فيمن يوليه حجابته، فأثار عليه بصاحب الثغر بجاية، محمد بن أبي الحسين بن سيدّ الناس، لاستحقاقة ذلك بكفايته واضطلاعه، ولقديم صحابة بين سلفهما بتونس، وإشبيلية من قبل. وقال له: هو أقدر على ذلك بما هو عليه من الحاشية والدين، فعمل السلطان على إشارته، واستدعى ابن سيّد الناس، وولاّه حجابته. وكان السلطان أبو يحى إذا خرج من تونس يستعمل جدّنا محمداً عليها، وثوقاً بنظره واستنامة إليه، إلى أن هلك سنة سبع وثلاثين، ونزع ابنه، وهو والدي محمد أبو بكر، عن طريقة السيف والخدمة، إلى طريقة العلم والرباط، لما نشأ عليها في حجر أبي عبد الله الزبيدي الشهير بالفقيه، كان كبير تونس لعهده، في العلم والفتيا، وانتحال طرق الولاية التي ورثها عن أبيه حسين وعمّه حسن، الوليّين الشهيرين. وكان جدّنا رحمه الله قد لازمه من يوم نزوعه عن طريقه، وألزمه ابنه، وهو والدي رحمه الله فقرأ وتفقّه، وكان مقدّما في صناعة العربية، وله بصر بالشعر وفنونه. عهدي بأهل البلد بتحاكمون إليه فيه، ويعرضون حَوْكَهُم عليه، وهلك في الطاعون الجارف سنة تسع وإربعين وسبعمائة.
نشأته ومشيخته وحاله:
أمّا نشأتي فإني ولدت بتونس في غرّة رمضان سنة إثنتين وثلاثين وسبعمائة، وربّيت في حجر والدي رحمه الله إلى أن أيفعتُ وقرأتُ القرآن العظيم على الاستاذ المكتب أبي عبد الله محمد بن سعد بن برال الأنصاري، أصله من جالية الأندلس من أعمال بلنسية، أخذ عن مشيخة بلنسية وأعمالها، وكان إماما في القراءآت، لا يلحق شأوه، وكان من أشهر شيوخه ففي القراءآت السبع أبو العباس أحمد بن محمد البطرني، ومشيخته فيها، وأسانيده معروفة. وبعد أن استظهرت القرآن الكريم من حفظي، قرأته عليه بالقراءات السبع المشهورة إفراداً وجمعاً في إحدى وعشرين ختمة، ثم جمعتها في ختمة واحدة أخرى، ثم قرأت برواية يعقوب ختمة واحدة جمعاً بين الروايتين عنه؛ وعرضت عليه رحمه الله قصيدتي الشاطبي؛ اللامية في القراءآت، والرائية في الرسم، وأخبرني بهما عن الأستاذ أبي العباس البطوي وغيره من شيوخه، وعرضت عليه كتاب التفسير لأحاديث الموطأ لابن عبد البرّ، حذا به حذو كتابه التمهيد على الموطأ، مقتصراً على الأحاديث فقط. ودرست عليه كتباً جمّة، مثل كتاب التسهيل لابن مالك ومختصر ابن الجاجب في الفقه، ولم أكملهما بالحفظ، وفي خلال ذلك تعلمت صناعة العربية على والدي وعلى أستاذي تونس: منهم الشيخ أبو عبد الله بن العربي الحصايري، وكان إماماً في النحو وله شرح مستوفى على كتاب التسهيل. ومنهم أبو عبد الله محمد بن الشواش الزرزالي. ومنهم أبو العباس أحمد بن القصّار؛ كان ممتعاً في صناعة النحو، وله شرح على قصيدة البردة المشهورة في مدح الجناب النبوي وهو حيّ لهذا العهد بتونس.
ومنهم إمام العربية والأدب بتونس أبو عبد الله محمد بن بحر؛ لازمت مجلسه وأفدت عليه، وكان بحراً زاخراً في علوم اللسان. وأشار عليّ بحفظ الشعر؛ فحفظت كتاب الأشعار الستة، والحماسة للأعلم، وشعر حبيب، وطائفة من شعر المتنبي، ومن أشعار كتاب الأغاني. ولازمت أيضاً مجلس إمام المحدّثين بتونس؛ شمس الدين أبي عبد الله بن جابر بن سلطان القيسيّ الوادياشي، صاحب الرحلتين؛ وسمعت عليه كتاب مسلم بن الحجّاج، إلاّ فوتا يسيراً من كتاب الصَّيد؛ وسمعت عليه كتاب الموطأ من أوّله إلى آخره، وبعضاً من الأمّهات الخمس؛ وناولني كتباً كثيرة في العربية والفقة، وأجازني إجازة عامّة، وأخبرني عن مشايخه المذكورين أشهرهم بتونس قاضي الجماعة أبو العبّاس أحمد بن الغمّاز الخزرجي.
وأخذت الفقه بتونس عن جماعة؛ منهم أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحيّاني، وأبو القاسم محمد القصير، قرأت عليه كتاب التهذيب لأبي سعيدد البرادعي، مختصر المدوّنة، وكتاب المالكيّة، وتفقهت عليه. وكنت في خلال ذلك أنتاب مجلس شيخنا الإمام، قاضي الجماعة أبي عبد الله محمد بن عبد السلام، مع أخي عمر رحمة الله عليهما. وأفدت منه، وسمعت عليه أثناء ذلك كتاب الموطأ للإمام مالك، وكانت له فيه طرق عالية، عن أبي محمد بن هارون الطائي قبل اختلاطه إلى غير هؤلاء من مشيخة تونس، وكلّهم سمعت عليه ، وكتب لي وأجازني، ثم درجوا كلهم في الطاعون الجارف.
وكان قدم علينا في جملة السلطان أبي الحسن، عندما ملك أفريقية سنة ثمان وأربعين، جماعة من أهل العلم، وكان يلزمهم شهود مجلسه ويتجمّل بمكانهم فيه: فمنهم شيخ الفُتيا بالمغرب، وإمام مذهب ممالك، أبو عبد الله محمد بن سليمان السطّي؛ فكنت انتاب مجلسه، وأفدت عليه. ومنهم كاتب السلطان أبي الحسن، وصاحب علامته التي توضع أسافل مكتوباته، إمام المحدثين والنحاة بالمغرب، أبو محمد بن عبد المهيمن الحضرمي؛ لازمته، وأخذت عنه، سماعاً، وإجازة، الأمهات الست، وكتاب الموطأ، والسير لابن اسحق، وكتاب ابن الصلاح في الحديث، وكتباً كثيرة شذت عن حفظي. وكانت بضاعته في الحديث وافرة، ونحلته في التقييد والحفظ كاملة؛ كانت له خزانة من الكتب تزيد على ثلاثة آلاف سفر في الحديث والفقه، والعربية، والأدب، والمعقول، وسائر الفنون؛ مضبوطة كلها، مقابلة. ولا يخلو ديوان منها عن ثبت بخط بعض شيوخه المعروفين في سنده إلى مؤلفه، حتى الفقه، والعربية، الغريبة الإسناد إلى مؤلفيها في هذه العصور. ومنهم الشيخ أبو العباس أحمد الزواوي، إمام المقرئين بالمغرب. قرأت عليه القرآن العظيم، بالجمع الكبير بين القراءات السبع، من طريق أبي عمرو الداني، وابن شريح، في ختمة لم أكملها، وسمعت عليه عدة كتب، وأجازنى بالإجازة العامة.
ومنهم شيخ العلوم العقلية، أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الآبلي. أصله من تلمسان، وبها نشأ، وقرأ كتب التعاليم، وحذق فيها. وأظله الحصار الكبير بتلمسان أعوام المائة السابعة؛ فخرج منها، وحج. ولقي أعلام المشرق يومئذ؛ فلم يأخذ عنهم، لأنه كان مختلطا بعارض عرض في عقله. ثم رجع من المشرق، وأفاق، وقرأ المنطق والأصلين، على الشيخ أبي موسى عيسى ابن الإمام، وكان قرأ بتونس، مع أخيه أبي زيد عبد الرحمن، على تلاميذ ابن زيتون الشهير الذكر؛ وجاء إلى تلمسان بعلم كثير من المعقول والمنقول، فقرأ الآبلي على أبي موسى منهما كما قلناه. ثم خرج من تلمسان هاربا إلى المغرب، لأن سلطانها يومئذ، أبو حمّو من ولد يغمراسن بن زيان، كان يكرهه على التصرف في أعماله، وضبط الجباية بحسبانه، ففر إلى المغرب، ولحق بمراكش، ولزم العالم الشهير أبا العباس بن البناء الشهير الذكر، فحصل عنه سائر العلوم العقلية، وورث مقامه فيها وأرفع، ثم صعد إلى جبال الهساكرة، بعد وفاة الشيخ، باستدعاء علي بن محمد بن تروميت، ليقرأ عليه، فأفاده. وبعد أعوام استنزله ملك المغرب، السلطان أبو سعيد، وأسكنه بالبلد الجديد، والآبلي معه.
ثم اختصه السلطان أبو الحسن، ونظمه في جملة العلماء بمجلسه، وهو في خلال ذلك يعلم العلوم العقلية، ويبثها بين أهل المغرب، حتى حذق فيها الكثير منهم من سائر أمصارها، وألحق الأصاغر بالأكابر في تعليمه. ولما قدم على تونس في جملة السلطان أبي الحسن، لزمته، وأخذت عنه الأصلين، والمنطق، وسائر الفنون الحكمية، والتعليمية؛ وكان رحمه الله، يشهد لي بالتبريز في ذلك.
وممن قدم في جملة السلطان أبي الحسن: صاحبنا أبو القاسم عبد الله بن يوسف بن رضوان المالقي. كان يكتب عن السلطان، وبلازم خدمة أبي محمد عبد المهيمن رئيس الكتاب يومئذ، وصاحب العلامة التي توضع عن السلطان أسفل المراسيم والمخاطبات، وبعضها يضعه السلطان بخطه. وكان ابن رضوان هذا من مفاخر المغرب، في براعة خطه، وكثرة علمه، وحسن سمته، وإجادته في فقه الوثائق، والبلاغة في الترسيل عن السلطان، وحوك الشِعْر، والخطابة على المنابر، لأنه كان كثيرا ما يصلي بالسلطان. فلما قدم علينا بتونس، صحبته، واغتبطت به، وإن لم أتخذه شيخا، لمقاربة السن، فقد أفدت منه كما أفدت منهم. وقد مدحه صاحبنا أبو القاسم الرحوي شاعر تونس في قصيدة علي روي النون، يرغب منه تذكرة شيخه أبي محمد عبد المهيمن في إيصال مدحه إلى السلطان أبي الحسن، في قصيدته على روي الباء، وقد تقدم ذكرها في أخبار السلطان. وذكر في مدح ابن رضوان أعلام العلماء القادمين مع السلطان وهي هذه:
عرفت زماني حين أنكرت عرفاني وأيقنت أن لا حظ في كف كيوان

وأن لا اختيار في اختيار مقـوم وأن لا قراع بالقـــران لأقران

وأن نظام الشكل أكمل نظمـــه لأضعاف قاض في الدليل برجحـان

وأنّ افتقار المرء في فقراتـــه ومن ثقله يغني اللبيب بـــأوزان

فمن بعدما شمت الخلاب ولم أرع لهشة راض أو لشرة غضبـــان

ولم يعشني للنار لمع شعاعــهـا فما كل نار نار موسى بن عمـران

ولم يبق لي في الغيب من أمل سوى لقاء ابن رضوان وجنة رضــوان

هنالك ألفيت العلا تنتـــمي إلى أناس ضئيل عندهم فخر غســان

وأرعيت من روض التأدب يـانعا وحييت من كنز العلـــوم بقعيان

وردت فلم تجدب لديه ريــادتي وصدق طرفي ما تلقته آذانـــي

فحسبك من آدابه كل زاخـــر يحييك معسولا بدر ومرجـــان

يحييك بالسلك الذي لم تحـط به طروس ابن سهل أو سوالف بوران

فقل بابلي إن ينافثك لفظـــة وفي وشيه الأطراس قل هو صنعاني

خلائق لم تخلق سدى بل تكملت بإسداء إنعام وإبلاء إحســـــان
ثم يقول في ذكر العلماء القادمين:
هم القوم كل القوم، أما حُلومُهــــم فأرسخ من طودي ثبير وثهلان

فلا طيش يعروهم وأما علومهــــم فأعلامها تهديك من غير نيران

بفقه يشيم الأصبحي صباحـــــه وأشهب منه يستدل بشهبــان

وحسن جدال للخصوم ومنطـــــق يجيئان في الأخفى بأوضح برهان

سقت روضة الآداب منهم سحائـــب سحبن على سحبان أذيال نسيـان

فلم يبق نأي ابن الإمام شماخـــــة على مدن الدنيا لأنف تلمســـان

وبعد نوى السطي لم تسط فأســــه بفخر على بغدان في عصر بغدان

وبالآبلي استسقت الأرض وبلهــــا ومستوبل ما مال عنه لأظعــان

وهامت على عبد المهيمن تونــــس وقد ظفرت منه بوصل وقربــان

وما علقت مني الضمائر غيـــــره وإن هويت كلا بحب ابن رضوان
وكتب هذا الشاعر: صاحبنا الرحوي يذكر عبد المهيمن بذلك:
لهي النفس في اكتساب وسعـــــي وهو العمر في انتهاب وفي

وأربى الناس بين ساع لرشــــــد يتوخى الهدى وساع لغـي

وأرى العلم للبرية زينـــــــــا فتزي منه بأحســـن زي

وأرى الفضل قد تجمع كـــــــلا في ابن عبد المهيمن الحضرمي

حل بالرتبة العلية في حضــــــرة ملك سامي العماد علــــي

قلم أوسع الأقاليم أمـــــــــرا فله قد أطاع كل عصـــي

قدر ما يفيد منـــه احتــــــذار فبأي تراه يقضي بـــــأي

يمنح العز والعلا ويــوالــــــي بالعطايا الجسام كل ولــــي

يلجأ الدارعون خوفا إليــــــــه هو يزري بالصارم المشرفــي

هو أعلى الأقلام في كل عصـــــر ث ينمى إلى الإمــــام علي

حليت تلكم الرياسة منـــــــــه بفريد في كل معنــــى سني

سالك ففي النظام درا وطــــــورا ناثر دره بنشر وطــــــي

بدع للبديع ترمي بحصــــــــر ولصابي بني بويه بعـــــي

ويرى أخرس العراق لديـــــــه إنه بالشام كالأعجمــــــي

وعلوم هي البحور ولكــــــــن ينثني الواردون منها بــــري

تصدر الأمة العظيمة عنـــــــه بحديث مجـــــــود مروي

وبفقه فيه وحسن مقـــــــــال يضع النور في لحاظ العمــــي

وبنحو ينحي على سيبويـــــــه ببيان في المبهمات جلــــــي

عمي الأخفشان عنه وســــــدت عن خفاياه فطنة الفارســـــي

يا أخا الحكم في الأنام وإنــــــي لأنادي رب الندى والنــــــدي

بنت فكري تعرضت لحماكــــــم فألقها راضيا بوجه رضــــــي

تبتغي القرب من مراقــــــــي الأماني والترقي للجانب العلـــوي

فأنلها مرامها نلت سهــــــــلا كل دان تبغي وكل قصـــــي





hfk og],k < rwm pdhm fhgjtwdg

رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدليلية (Tags)
بالتفصيل, خلدون, حجاب

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
صور عمرو دياب , احدث و اجمل صور عمرو دياب , صور اولاد عمرو دياب الهضبة fbimages صور جديدة - صور منوعه - Photos 2 03-20-2015 12:44 PM
طريقة عمل الكشري المصري بالتفصيل , المجدرة fbimages طبخ - حلويات - Cooking 1 01-15-2015 08:13 PM
طريقة عمل البسبوسة اليمنية بالصور بالتفصيل الملل , بسبوسة يمنية لذيذة fbimages طبخ - حلويات - Cooking 1 01-14-2015 10:02 PM
لفات طرح للمحجبات , ربطات حجاب سهلة وبسيطة , احدث موضة في حجاب 2014 - 2017 fbimages ازياء - ازياء محجبات - Fashion 4 01-10-2015 07:10 PM
ميك اب عيون القطة بالتفصيل الممل وبالصور , خطوات عمل عين القطة fbimages ازياء - ازياء محجبات - Fashion 1 01-10-2015 05:29 PM

سياسة الخصوصية  Privacy Policy

القسم الاسلامي اخبار مصر تفسير الاحلام صور جديدة صور فيس بوك خلفيات للموبايل رسائل حب برودكاست توبيكات واتس اب ازياء ديكور طبخ اشغال يدوية صحة المرأة نكت مضحكة اشعار قصص روايات قصص اطفال قصص مصورة كرتون

كورة


الساعة الآن 05:59 PM


Powered by vBulletin™ Version 3.8.7
Copyright © 2017 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved.
Content Relevant URLs by vBSEO